محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
154
شرح حكمة الاشراق
« الحجر إمّا بصير أوليس ببصير » . وهو باطل ، لأنّ العمى ليس عدم البصر فقط ليلزم من صدق « ليس ببصير » على الشّىء صدق الأعمى عليه ، بل هو عدم البصر عمّا من شأنه أن يبصر ، فلهذا لا يلزم من صدق « ليس ببصير » صدق الأعمى . وإلى هذا الجواب أشار بقوله : فإنّ الإيجاب والسّلب لا يخرج منهما شئ ، بخلاف العدم والملكة ، فلك أن تقول : « إنّ الحجر ليس ببصير » ، ولا تقول : « إنّه أعمى » . وهذا الغلط من باب أخذ ما بالعرض مكان ما بالذّات ، لأنّه أخذ فيه شبيه الشّىء بدله . وممّا يوقع الغلط إجراء اللّفظ العامّ في المواضع على المعاني المختلفة ، فيؤخذ بعضها مكان بعض ، كما يقال : الواجب لذاته إمّا ممتنع أو ممكن . وإذ ليس ممتنعا فيكون ممكنا ، لكن كلّ ما هو ممكن الكون ممكن اللّاكون ، فالواجب لذاته ممكن اللّاكون ، وهو محال ، وقد عرفت حلّه فيما تقدّم ، وهو أنّ الواجب ممكن بالإمكان العامّ ولا ينقلب موجبه إلى سالبه . وهذا وإن كان مندرجا تحت الغلط المنتشىء من اشتباه اللّفظ ، إلّا أنّه كثير الوقوع ، فخصّصناه بالذّكر . والعامّ قد ذكرنا أنّه يعنى به ما لا يمنع الشّركة لذاته : وقد يعنى به المستغرق . وهو كون الحكم على كلّ واحد . والعامّ الأوّل ، أي : الكلّىّ ، كالحيوان ، مثلا ، لا يلزم من صدقه وإثباته صدق الخاصّ وإثباته ، كالإنسان ، مثلا ، إذ لو لزم من صدق العامّ صدق الخاصّ ، كما لزم من صدق الخاصّ صدق العامّ ، لكانا متساويين ، لا أحدهما أعمّ والآخر أخصّ ، هذا خلف . ويلزم من نفيه وكذبه كذب الخاصّ ونفيه . لاستلزام اللّا حيوان للّا إنسان ، لأنّ نقيض الأعمّ أخصّ من نقيض الأخصّ ، إذ لو كذب الأعمّ ولم يكذب الأخصّ ، لكان مع كذبه صدق الأخصّ ، فيصدق الخاصّ دون العامّ ، وهو محال . فإن قيل : لو صدق أنّ نقيض الأعمّ أخصّ من نقيض الأخصّ ، لصدق قولنا : « كلّ ما ليس بممكن بالإمكان العامّ فهو ليس بانسان » ، لصدق قولنا « كلّ إنسان فهو ممكن بالإمكان العامّ » لكنّه كاذب ، لأنّ الموجبة يستدعى صدقها صدق موضوعها ، وما ليس بممكن عامّ لا مفهوم له أصلا ، فضلا عن أن يكون له مفهوم